السيد محسن الأمين

251

أعيان الشيعة

وابن الأنباري ، ونفطويه ، ومن اللغويين : ابن دريد ، وعبد الرحمن الهمذاني ، والسجستاني . ومن المؤرخين البلاذري وابن طيفور ، والطبري ومن الجغرافيين : ابن الحائك وابن الفقيه . ومن الشعراء : علي بن الجهم وابن المعتز ، وغيرهم . أصله لم يكن ابن الرومي عربي الأصل ، وانما كان مستعربا ، وكانت العربية لغته ، قد شب وشاب بين العرب ، نطق بلسانهم ، وحذق علومهم ، واستظل بمدنيتهم ، غير أنه احتفظ بطبيعة جنسه حتى صارت روميته المتمسك بها مفتاح شعره ونفسه . وقد وصف العقاد ذلك بقوله : فالرومية هي أصل هذا الفن الذي اختلف به ابن الرومي عن عامة الشعراء في هذه اللغة ، وهي السمة التي أفردته بينهم ، إفراد الطائر الصادح في غير سربه . وهو يذكر في عدة مواضع في ديوانه ان الروم أصله ، وإن كان جده لامه فارسيا ، كما أن جده لأبيه رومي . . . فهو القائل : وإذا ما حكمت والروم قومي * في كلام معرب كنت عدلا انا بين الخصوم فيه غريب * لا أرى الزور للمحاباة أهلا شعره ابن الرومي شاعر فحل ، ومصور بارع ، دقيق المعاني ، عميق الفكر ، بديع التصوير ، وهو عند ابن رشيق القيرواني ، أولى الناس باسم الشاعر لكثرة اختراعه ، وحسن افتنانه . وقد أعجب به ابن خلكان فقال : هو صاحب النظم العجيب ، والتوليد الغريب ، يغوص على المعاني النادرة ، فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة ، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى اخره ، ولا يبقى فيه بقية . ويمتاز شعره بطول النفس مع المحافظة على السلاسة ، فهو مقتدر على الاسهاب في النسج دون تعب أو تكلف ظاهر ، فنحن لا نرى لشاعر عربي ما نراه لابن الرومي من كثرة المطولات التي تتجاوز المئة والخمسين بيتا ، وأكثرها حسن السبك ، كثير الألوان المعنوية ، تدل على غزارة مادته اللغوية ومهارته في استخدام الألفاظ لمعانيه . فهو فياض كثير الاطناب والمراجعة بعيد المدى في ميدان النظم . وقد خالف الشاعر سنة الذين جعلوا البيت وحدة النظم وجعل القصيدة كلا واحدا لا يتم بغير لمام المعنى الذي اراده على النحو الذي نحاه . فقصائده موضوعات كاملة ، مؤلفة تأليفا منطقيا وفنيا لا عوج فيه ولا ضعف . ولم يكن ابن الرومي المفرد العلم من شعراء عصره النازع إلى التحليل والتعمق في الشعر ، فقد كان أبو تمام شديد النزوع إلى هذا الباب ، إلى أبعد الحدود ، وقد بلغ الولوع بالمعاني عند الشاعرين حتى أنهما اكثرا من توكيد المعنى بالمعنى في شعرهما . عرف ابن الرومي انه برع في التمثيل وهو أدق من التشبيه وأكثر لطفا وأجمل صفاء ، فقد يكون قصارى الشاعر المشبه ان يشبه ممدوحه بالبحر في الجود ، والقمر في السناء ، والسيف أو القدر في المضاء ، ولكن الشاعر بز بهذه الأبيات التي يمدح فيها أبا القاسم وزير الخليفة المعتضد بقوله : إذا أبو قاسم جادت لنا يده * لم يحمد الأجودان : البحر والمطر وان أضاءت لنا أنوار غرته * تضاءل النيران : الشمس والقمر وان نضا حده أو سل عزمته * تأخر الماضيان : السيف والقدر من لم يبت حذرا من سطو صولته * لم يدر ما المزعجان : الخوف والحذر ينال بالظن ما يعيا العيان به * والشاهدان عليه : العين والأثر ويعين ابن الرومي على قدرة الوصاف فيه ، عين المصور الماهر ، وريشته الساحرة ، فقد شغف الشاعر بالحياة وأحب ان يعيش قويا ليتمتع بجمالها وأطايبها ، فكان كله شهوات حين يأكل وحين يشرب وحين يجلس إلى مائدة فيصورها بما فوقها من أطايب الطعام . وقد وهبته الطبيعة حسا دقيقا ، فكان يرى فيه أدق الألوان واخفى الأصوات والحركات . وقد ترك لنا أوصافا كثيرة تجعله من كبار الوصافين في الرياض والأزهار والفواكه والطعام والشراب والطيور وبني الإنسان ، وقد رسمها في لوحات كاملة رائعة ذات ظلال وأضواء جميلة متناسقة خلابة . . . لاحظ كيف يصف رياضا تختال في أزهارها مراقبا صحوات الحياة فيها بدقة وانتباه فيقول : ورياض تخايل الأرض فيها * خيلاء الفتاة في الابراد ذات وشى تناسجته سوار * لبقات بحوكة وغواد شكرت نعمة الولي على الوسمي * ثم العهاد بعد العهاد فهي تثني على السماء سماء * طيب النشر شائعا في البلاد من نسيم كان مسراه في الأرواح * مسرى الأرواح في الأجساد حملت شكرها الرياح فادت * ما تؤديه ألسن العواد تتداعى بها حمائم شتى * كالبواكي والقيان الشوادي من مثان ممتعات قران * وفراد مفجعات وحاد تتغنى القران منهن في الأيك * وتبكي الفراد شجو الفراد وابدع في وصف الشيب والشباب والبكاء على عهود الصبا النواضر ، فأطال فيها وأجاد متوافرا على استيفاء المعاني وتقصيها ، وتدقيقه في رسم الظلال لها ، وهو بذلك يسجل أجمل ما قيل في هذا الباب مما يقل نظيره في الأدب العربي . وفيه يقول مرحبا . وقلت مسلما للشيب : أهلا * بهادي المخطئين إلى الصواب ألست مبشري في كل يوم * بوشك ترحلي اثر الشباب لقد بشرتني بلحاق ماض * أحب إلي من برد الشراب فلست مسميا بشراك نعيا * وان أوعدت نفسي بالذهاب وأنت وان فتكت بحب نفسي * وصاحب لذتي دون الصحاب فقد أعتبتني وأمت حقدي * بحثك خلفه عجلا ركابي إلى أن يقول : يذكرني الشباب جنان عدن * على جنات انهار عذاب تفئ ظلها نفحات ريح * تهز متون أغصان رطاب إذا ماست ذوائبها تداعت * بواكي الطير فيها بانتحاب يذكرني الشباب وميض برق * وسجع حمامة ، وحنين ناب فيا أسفا ويا جزعا عليه * ويا حزنا إلى يوم الحساب أأفجع بالشباب ولا أعزى * لقد غفل المعزي عن مصابي تفرقنا على كره جميعا * ولم يك عن قلى طول اصطحاب وكانت أيكتي ليد اجتناء * فعادت بعده ليد احتطاب